icon
علم الإجرام
 

 لقد شاع بين اغلب المشتغلين في العلوم الجنائية أن علم الإجرام هو علم حديث ، على إعتبار أن البحث العلمي فيه لم يبداْ إلا في نهاية القرن التاسع عشر . هذا الشيوع الذي نوافق على معظمه ونتحفظ على بعضه يجب ألا يصد الباحث عن محاولات متعددة للبحث في علم الإجرام قام بها العلماء المسلمون أمثال الفارابي (870-950م)
تجاهلها أغلب المؤرخون ، وجهلها بعضهم وأنكرها آخرون ، وهي في حقيقة الأمر تراث علمي جدير بنا أن نثمنه بعد أن ضيعته أجيال فقد آن الأوان للبحث عنه وتأصيله ، ووضعه في مكانه اللائق به ، ضمن التراث العلمي الذي أنكر كل المحاولات الآتية من الشرق ، وفي أحيان كثيرة ربطها بالسحر الشعوذة .
وإن صح بعض هذا الربط ، ونعني به فكرة الربط بين تسبيب الظاهرة الإجرامية والعالم الغيي ، فإن تأصيل علم الإجرام الإسلامي سيظهر خطأ هذا الإفتراء ، وسيعلم الباحث أن قواعد النص المقدس (كتاب الله وسنه نبيه ) لم تربط بين وقائع الظاهرة الإجرامية وبين العالم الغيي ، بل أنزلت هذه الوقائع إلى العالم الملموس القابل للفحص والتدبر ولإختبار والبرهان .
حقيقة المر أن الدين الإسلامي عبر العصور تعرض للختطاف من قبل مدعي العلم ، الذين فسروا النصوص المقدسة وفق هوى او رغبة أو مصلحة ، الأمر الذي أخرج النص عن مقاصد الشرع ، وربط الدين (لسؤ الحظ) بالخرافة والسحر والشعوذة ، وإستغل غير المنصفين هذه السقطة ليعمموها علىكل القواعد الدينية .
لهذا فإن الإقرار بحداثة علم الإجرام في نظرنا مرتبط بما ثبت من بحث هذا العلم على ايدي علماء القرن التاسع عشر ، وما يليه دون نفي لمحاولات من قبلهم .
المبحث الأول
تعريف علم الإجرام
علم الإجرام وفق التراكم المعرفي الثابت علمياً حتى هذه اللحظة ، هو العلم العام الذي يهتم بتنسيق ومقارنة وربط معطيات الدراسات الجنائية ، والعلوم ذات العلاقة الأخرى ، من أجل معرفة الجريمة والمجرم ، أو هو مجموعة المعلومات المتعلقة بالجريمة  كظاهرة إجتماعية . أو هو ، وفق ما أقر الفقهان الألماني والإيطالي ، " العلم الذي يدرس الظواهر الحقيقية التي أدت إلى إرتكاب الجريمة ووسائل مكافحتها والحيلولة دون وقوعها " . في حين يجمع أغلب الفقه الأمريكي على أن الجريمة ظاهرة إجتماعية ، وأن علم الإجرام هو العلم الذي يتناول دراسة الجريمة في معناها الإجتماعي الواسع . أو " وهو ذلك الفرع من العلوم الجنائية الذي يعكف على تفسي الظاهرة الإجرامية بإعتبارها ظاهرة حتمية في حيا المجتمع ، وظاهرة إجتماعية في حياه الفرد ، لتحديد وتفسير الأسباب أو العوامل التي تؤدي إلى إرتكابها على مستوى الفرد ومستوى الجماعة ... وهو كما عرفه أستاذنا الدكتور عدنان الدوري  " دراسة الجريمة والمجرم دراسة علمية منظمة systematic المر الذي يقربه من العلوم الوضعية الأخرى أو يضعه في زمره هذه العلوم ".
ولاعتقادنا بأن المذاهب المختلفة اختلفت في وضع تعريف جامع مانع لعلم الإجرام، وأن إتفقت في كثير من المضامين، رأينا أن نجتهد في تجميع أهم العناصر في التعريفات السابقة ، ونضعها في تعريف لعلم الإجرام يسهل على الباحث المبتدئ سبيل تعلم هذا العلم ، الذي لا زالت معالمه الأساسية قيد التشكل ، وهياكله النهائية قيد البناء :
هو العلم المركب من علوم عدة تسعى إلى تفسير الظاهرة الإجرامية ، وأسباب السلوك الجانح لدى الفرد وفي المجتمع ، تفسيراً منهجياً ، مستفيداً من مناهج البحث العلمي وتراكماته .
عناصر التعريف
أولأ – علم مركب من علوم الضحية والنفس ، الإجتماع ، الإنثروبولوجيا الجنائية
علم الإجرام هو العلم الأعلى super science  لأربعة علوم يحتويها ، ويتكون منها ، ويسعى إلى تفسير الظاهرة الإجرامية ومعرفة أسباب الجريمة . ورغم إحتواء علم الإجرام لكل هذه العلوم إلا أنه ون أدنى شك علم مستقل عن العلوم إلا أنه دون أدنى شك علم مستقل عن العلوم المكونه له ، والتي لها وظائف خاصة ، نبينها في الأسطر التالية :
1-    علم الضحية victimology
تنبه العلماء في وقت متاخرمن القرن العشرين غلى أهمية التعرف على المجني عليه ، من أجل دراسة أسباب السلو الإجرامي ، والظاهرة الإجرامية ، وأظهرت الدراسات المتعددة ان ضحايا الإجرام يساهمون بدرجات متفاوته في تسهيل أو تصعيب الإعتداء عليهم ، وتثبت الدراسات أيضاً ان المجني عليهم لا يكتفون بمجرد تسهيل عمل الجاني ، بل إن بعض الضحايا يساعدون في إثارة بواعث العمل الإجرامي عند الجناة ، وأحياناً أخرى في صنع البيئة المناسبة لارتكاب الجريمة . وتشير الإحصائيات الجنائية إلى أنه بالإمكان تحديد ضحايا الجريمة أو الأفراد الأكثر إحتمالاً للوقوع ضحايا لها بعد تحديد الجنس أو اللون أو المعتقد أو العنصر أو الإنتماء السياسي أو الإجتماعي .
2-    علم الإنثروبولوجيا الجنائية criminal anthropology
الإنثروبولوجيا هي فرع من علم البيولوجيا  biology  والذي يقصد به علم الأحياء ، أما الانثروبولوجيا  فهو العلم الذي يدرس جسم الإنسان ، وعقله ، وتطور هذا الجسم بكل مكوناته عبر التاريخ . وعلم الإنثروبولوجيا الجنائية الذي نحن بصدد دراسته كفرع من فروع علم الإجرام هو فرع من علم الإنثروبو لوجيا ، يحاول أن يفسر السلوك الإجرامي من خلال وظائف وصفات الجسد والأمراض التي تعتريه . هذا العلم وضع اللبنات التأسيسية له العالم الإيطالي الشهير لمبروزو ، الذي أراد أن يقول أن المجرمين موصومون بالجريمة لما ورثوه من صفات وأشكال متصلة بأجسامهم ، أو عقولهم ، أو نفسياتهم ، أو كل هذه . وتتابعت البوث والدراسات المؤكدة لما رأى لمبروزو ، وأحياناً أخرى مناهضة لأفكاره . أما العالم الأمريكي أرنست هوتون ، الأستاذ بجامعة هارفارد ، فإن تجاربه وإختباراته التي أجراها 17000 شخص من ولايات حوالي 14000 منهم من السجناء ، والباقين من غير المجرمين . أراد هذا العالم ان يثبت بدراسته هذه الدونية الجسدية لدى أغلب المجرمين ، وأرجع هذه الدونية بشكل أساسي إلى عامل الوارثة ، الذي افترضه لمبروزو ، أماالصفات المكتسبة فإنها تؤثر بشكل ثانوي في السلوك المنحرف .
وعلى أيه حال فإن إكتشاف الخارطة الجينية للإنسان ، وما تبع ذلك من اكتشافات ، يساعد في تفسير الكثير من الغموض الذي أحاط بهذا العلم ، وأصبح العلماء على موعد مع إعطا تفسيرات لكثير من السلوكيات الجانحة .
3-    علم النفس الجنائي criminal psychology
تعارف الناس ، في فهم الكائن البشري ، على أنه مركب من جسد ونفس ، وإلا أن قضية السلوك الجانح كانت (وبعضها لايزال ) عصية على الفهم عند علماء النفس وأطبائها ، وكذلك هي عند أطباء الجسد . وقد إعتقد علماء النفس أنهم قاب قوسين أو أدنى من بلوغ مرامهم ، بعد أن شاعت مدرسة العالم النمساوي الشهير سيجموند فرويد (1856-1939) في مواضيع اللا شعور و التحليل النفسي ، حيث وصف السلوك الجانح (الإجرامي ) بأنه ذلك السلوك الإنساني غير المتوافق ، وأنه ماهو إلا صراع وتصادم مستمر بين الذات الدنيا ذات الميول الغريزية ، والذات العليا ذات القيم و الفضائل و المبادئ الأخلاقية ، حيث تقوم الذات الشعورية (الأنا) بدور المصلح بين الذاتين ، فإذا ما نجحت في التوفيق بينهما كتب لنفس الإنسان التكيف والتوافق مع أنظمة وقوانين مجتمعه ، أما إذا فشلت في التوفيق بين الذاتين ، فإن الإنسان إما أن يكبت غرائزه ، أو يسمو بها ويترجمها في إطار السلوكيات المشروعة في مجتمعه .

لاشك أن دراسات فرويد ، وأبحاثه ومنهجه فب البحث العلمي ، والنتائج التي توصل إليها ، كانت بمثابة الفتوح الكبيرة في مجال الطب النفسي ، إلا أنها لم تقدم التفسير الكامل لأسباب السلوك الجانح ، أو ظاهرة الجريمة في المجتمع الإنساني .

ورغم ذلك فإن علم النفس الجنائي لازال يشقطريقه نحو التكامل ، ويرفد علم الإجرام بمعطيات علمية ، تعين على تفسير السلوك الجانح ، مسايراً الروافد الأخرى لهذا العلم . وبهذا نستطيع أن نعرف علم النفس الجنائي بانه العلم الذي يدرس الحياة العميقة للمجرم ( نفس المجرم ) ودوافعه غير الواعية التي تسبب في سلوكه الإجرامي (الجانح ) .
4-    علم الإجتماع الجنائي criminal sociology
ينتصر أغلب الفقه الجنائي الأمريكي للمدرسة الإجتماعية ، وفي ذلك يقول الأستاذ جون جيلين john gillin  في كتابه الأسباب الإجتماعية المؤثرة في حجم الجريمة : " كلما تقدم الزمن بالعلماء و الباحثين لدراسة أسباب الجريمة في أمريكا ، كلما اقتربوا بشكل ملحوظ من الإتجاه الإجتماعي في تفسير السلوك الإجرامي " .
علم الإجتماع العام هو العلم الأعلى super science  لعلم الإجتماع الجنائي الذي تتبناه (كما أسلفنا ) المدرسة الأمريكية ، دون إنكار لرواده هذه المدرسة من غير الأمريكيين ، دون إنكار لرواد هذه المدرسة من غير الأمريكيين ، مثل إنريكو فيري و أستاذه لمبروزو.
علم الإجتماع الجنائي كرافد من روافد علم الإجرام ، هو العلم الذي يدرس الظاهرة الإجرامية ، وفق المفهوم الإجتماعي للسلوك الجانح . وهذا يعني أن تفسير السلوك الجانح وفق علم الإجتماع الجنائي لا يعدو كونه سلوكاً انسانيا ناتجاً عن العمليات الديناميكية التي تجري بين الفرد في المجتمع (بكل مكوناته العقلية والنفسية والجسدية والروحية والأخلاقية ) والبيئة التي يعيش فيها بكل مكوناتها ومحتوياتها الثقافية والإجتماعية .
ثانيا – محاولة تفسير الظاهرة الإجرامية والسلوك الجانح
إضافة إلى ما سبق بيانه ، نؤكد ان هدف علم الإجرام وغايته هو التعرف عل أسباب السلوك الجانح لدى الفرد ، أو في المجتمع ، وإيجاد تفسير للظاهرة الإجرامية ، ذلك أن هذه السلوكيات الجانحة تمثل إنتهاكاً للمنظومة القانونية والإجتماعي ، وبات من الضروري اهتمام المختصين في المجالات الجنائية (the criminologists) بهذه الظاهرة التي تقلق السلطات في المجتمع مثلما تقلق الأفراد .
ثالثاً - المنهج العلمي
النهج العلمي وقواعد الرصد والإختبار، وإمكانية التيقن ، والمعايرالمتفق عليها في الأوساط العلمية ، هي العناصر الأساسية التي يعرف بها علم من العلوم ، ورغم أن هذه العناصر لم تكتمل لعلم افجرام ، إلا أن غالبية الفقه تقر أن الشوط الذي قطعه هذا العلم منذ بداية استخدام الأسلوب العلمي لتفسير الظاهرة الإجرامية ، يظهر مدى جدية الأبحاث والدراسات التي تساهم في الوقاية من الجريمة ، ودرء اخطارها ، لهذا فإن هذا العلم في طور الإكتمال .
رابعاً – الإستفادة من نتائج الدراسات و البحوث في العلوم الأخرى
بعد أن قضت الجريمة مضاجع العامة و الخاصة ، سخرت المجتمعات المتقدمة كل معطيات العلوم فيها لخدمة علم الإجرام ، ولإيجاد تفسير علمي للظاهرة الإجرامية ، بغية الوقاية من الجريمة ودرء أخطارها . وقد استفادت هذه المجتمعات من نتائج الدراسات النفسية البويولوجية والبيئة والمجتماعية والأمنية وغيره من أجل الوصول إلى نتائج محددة ، زخرت بها المؤتمرات والندات الوطنية والعالمية وكان لها صدى واضح في جميع الأقطار .
الفصل الثاني
نشأة علم الإجرام وتطوره
أسلفنا أن الحديث عن الجريمة في الملكوت الأعلى قدج بدأ قبل بدء الخليقة ، ومن المفيد هنا التذكير أن ظاهرة الجريمة قديمة قدم المجتمعات الإنسانية نفسها ، هذه المجتمعات التي نشأت وفق علاقات وقواعد تجلب المصلحة ، وتدرأ المفسدة عن عناصر كل جماعة ، وسنت القوانين والأنظمة التي تحكم  أداء المجتمع ، هي التي أنشأت الفواصل بين الحقوق والواجبات ، وبالتالي نشأت وقائع اصة تظهر فيها تضارب المصالح والتنازع عليها ، ومن ثم الإعتداء على الحقوق وإغتصابها ، الأمر الذي أوجد الحاجة لنشوء وسائل وأدوات حماية هذه الحقوق وصيانتها .

الثابت عبر التاريخ أن التشريعات ( مكتوبة أو عرفية ) هي الضمانة الأكبر لحفظ الحقوق وحمايتها ، إلا أن هذه التشريعات إختلفت عبر التاريخ في المصادر التي تستسقى منها ، والسند الذي تتكئ عليه لتعزيز مكانتها أمام الجماعة الإنسانية . لهذا سيعود البحث بالقارئ عبر التاريخ لمعرفة نوعين من النظريات ، النوع الأول يعتمد على التفسير الروحي Spiritual Explanation  ، والنوع الثاني يعتمد على التفسير الطبيعي Natural Explanations .

كلا التفسيرين بالغ في القدم ، وكلاهما يلقي صدى لايستهان به في أروقة الفقه الجنائي المعاصر ، إلا أن أغلب الفقه الجنائي الغربي المعاصر يستثنى الروحي من صفة العلم ، لأسباب سنتعرف عليها في سياق المباحث التالية :
المبحث الأول
التفسير الروحي للظاهرة الإجرامية
" يعد الدين (المعتقد) أول مصدر للتحريم (التجريم ) في المجتمعات البدائية ، وبصفة خاصة تلك التي تعرف التوتمية كطراز ديني . ويعني هذا الطراز أن كل عشيرة تلتف حول رمز إلهي غالباً ما يكون حيواناً أو نباتاً هو التوتم Totem ، تعتقد العشيرة انها تنحدر من سلالته "
وروي عن سقراط قوله : الجهل سبب للجريمة المعرفة سبب للسلوك القويم . ومن هذا المنطلق ، ولكون الإنسان البدائي لم تتراكم لديه المعرفة والخبرة ليتعرف على أسباب الجريمة ، إتجه إلى الخرافة ، وغلى السحر و الشعوذة وإلى الأرواح الشريرة في مرحلة
متأخرة ، معتقداً أنها سبب الجريمة أو الظاهرة الإجرامية عموماً .

لهذا فإنه من الضروري التأكيد عل أن الإنسان ، في واقع الأمر ، وفي كل العصور ، وحتى في عصرنا الحاضر ، يرجع كل ما لا يعرف إلى العالمخ الآخر ، وفي مرحلة متقدمة ، بدأ بتفسير الظاهرة الإجرامية مثلما فسر الظواهر الطبيعية الأخرى معتقداً أن سببها غضب الآلهه .
في القرون الوسطى بدأ التفسير الروحي للظاهرة الإجرامية يجد قبولاً عند السلطات الحاكمة ، والمؤسسات الإجتماعية ذات الإرتباط الوثيق بالنظام الإقطاعي Feudalism ، وكان ذلك بمثابة بروز نظام العدالة الجنائية في أروبا ، المنتمي لفكر التفسيرالروحي للجريمة ، مع وضوح المؤثرات الأخرى فيه . وبمعنى آخر تم توظيف فكرة العلاج الروحي و التقسير الروحي للظاهرة الإجرامية لخدمة النظام الإقطاعي .

إلا أن ذلك لم يبعد تسبيب الظاهرة عن الخرافة كثيراً ، وعلى سبيل المثال ووفقاً للتعديل الأخير فإنه من المفترض تعريض طرفي الخصومه لابتء قاس أو صراع دموي ، تكون نتيجته (كما تزعم هذه النظرية ) حتماً إنتصار الطرف البريء “ God was said to give victory to the innocent party” ووفقاً لهذه النظرية ، ولتحديد ما إذا كانت المدعي عليها ساحرة (Witch) أم لا ، فإنها تقيد وترمى في الماء، فإذا ما طفت ، فإن ذلك دليل على براءتها من التهمة المنسوبة إليها ، وإذا ما غرقت فإن ذلك دليل على ثبوت التهمة عليها .
وهكذا سار الحال في تسبيب الجريمة على نفس المنوال ، إلى أن أنكر الحبر الأعظم (كما يدعي ) (The Pope) عام 1215 ذلك ، وإستيعض عن وسائل إثبات الجريمة القديمة بوسائل أخرى يبرأ من خلالها المتهم عبر آليات خاصة (Compuragtion) ، تتمثل في أن المتهم يجمع إثنى عشر شخصاً من الثقاه (العدول) ، الذين يحلفون أن الشخص برئ من التهمة المنسوبة إليه ، حيث يعد قسم ( اليمين ) رادعاً وواقياً من الكذب تحت قسم مخافة العقاب من الإله (God) . وقد تطورت هذه الطريقة لتكون كما هي عليه في عصرنا الحاضر ، في البلاد التي تتبع النظام الإنجلوسكسوني فيما يسمى نظام المحلفين (The Juries).

ولسوء الحظ فإن البعض لا زال ينتصر لهذه النظرية معتقداً أن أسباب الجريمة لا تعدو كونها غضب الآلهة ، ومن الخطأ الإعتقاد أن ذلك قاصراً على المجتمعات الشرقية ، حيث تثبت المشاهدات أن المجتمعات الغربية لازال بها بقايا من شعوذات الماضي ، وأن بعض المتدينين يرجعون الجريمة إلى الشيطان (Devil)، وأن العلاج الوحيد للجريمة يتمثل في الهداية الدينية Religious conversion.

ونعتقد مع آخرين في الفقه الجنائي المعاصر ، أن التفسير الروحي للجريمة ، أو علاج الشخص والمجتمع منها بواسطة العج الروحي ، الذي يعتقد به الكثير من الناس ، قد يزيل الشك من أنفس المعتقدين به ، ويعينهم على التخلضص من ذلك العيب أو السلوك المجرم (المحرم) ، إلا أنه  تفسير قاصر على هذه الفئة من الناس ، وقد يصلح لعلاجها ، غير أنه لايمكن تعميمه على جميع أفراد المجتمع أو كل بني البشر .

ونعتقد كذلك أن العائق الأكبر أمام هذه النظرية ، هو أن وقائعها غير قائعها غير قابلة للعرض على الملاحظة ، والفحص ، أو الإختبار ، وبالتالي فإنه من الممكن إثباتها أو نفيها ، وهي الحالة كذلك نظرية غير علمية لعدم التمكن من رصد وقائعها ، وإثباتها أو نفيها ، رغم تعلق الكثيرين بها .
وعلى أية حال فإنه من غير الممكن إنكار إهتمام الإنسان في العصور القديمة بأسباب الجريمة ، بل لابد من الإقرار بأن الإنسان البدائي تساءل عن سبب قيام بعض الأفراد بسلوكيات خارجة عن النسق السائد ، إلا أنه أعتقد أن أرواحاً شريرة تتقمص أجساد الأفراد تدفعهم إلى إرتكاب المحرمات .
كل ما في الأمر أننا نرى أن هذا التفسير للجريمة فيه من التعميمات ما يجعله غير قابل للإخضاع للإستقصاء والبرهان العلمي ، وهو والحال كذلك لايمكن إثبات خطئه لعدم التمكن من إخضاعه للمنهج العلمي ، " الفشل في إثبات خطأ التفسيرات لا يقرر صدقها بل يشير إلى أنها تخرج من نطاق نسق التفكير العلمي " .
المبحث الثاني
التفسير الطبيعي للظاهرة الإجرامية Natural Explanations
بينما إتجه التفسير الروحي إلى قوى العالم الآخر ، وعدها سبباً للظاهرة الإجرامية ، إتجه الماديون إلى عالم المادة الملموس لتفسير ما يجري في إطار الظاهرة الإجرامية ، ورغم المظهر المتحد للفكر المادي لتفسير الجريمة ، إلا أن الفقه الجنائي يقسم هذه الأفكار إلى ثلاثة أفرع تبدو متعارضة في تفسيرها للجريمة ، إلى درجة يتأكد منها الباحث أنها في حقيقة الأمر مدراس مختلفة رغم توحد مصدرها المادي الطبيعي .

سيقتصر البحث في هذا المؤلف على التفسيرات الطبيعية Natural causations/explanations لللظاهرة الإجرامية

 
 
 
 
 
 
 
 
11 Feb, 2014
 

Reasons for awarding the

 
20 May, 2012
 

إطلاق موقع الدكتور ممدوح

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
Copyrights © 2012 drmumdooh.com, All Rights Reserved. Powered by DarAlGailani